فخر الدين الرازي
248
الأربعين في أصول الدين
أما المعتزلة : فقالوا : ان الانسان لا يمكنه أن يعيش وحده ، بل ما لم يشتغل كل واحد بإعانة الآخر ، لم يحصل لكل واحد منهم مقصوده بالتمام ، وما لم يعرف كل أحد ما في قلب الآخر من جهات الحاجات ، لا يمكنه الاشتغال باعانته . فاحتاج الانسان إلى وضع طريق يعرف به غيره ما في قلبه ، من فنون الحاجات . فاصطلحوا على جعل هذه الأصوات المقطعة بهذه التقطيعات المخصوصة ، معرفة لما في قلوبهم من الأحوال . وقد كان يمكنهم وضع طريق آخر سوى هذا الطريق من الإشارة والايماء وتصفيق اليد والكتابة . الا أن هذا الطريق كان أسهل وأيسر . إذا عرفت هذا فنقول : انه تعالى إذا أراد شيئا أو كره شيئا ، خلق هذه الأصوات المخصوصة في جسم من الأجسام ، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدا لذلك الشيء المعين ، أو كارها له ، أو كونه حاكما به بالنفي أو بالاثبات . وهذا هو المراد من كونه تعالى متكلما . وقد نازعهم أصحابنا فيه : وقالوا : انه يمتنع أن يكون متكلما بكلام قائم بالغير ، كما أنه يمتنع أن يكون متحركا بحركة قائمة بالغير ، وساكنا بسكون قائم بالغير . وعندي : أن هذه المنازعة ضعيفة . لأن هذه المنازعة ، اما أن تكون في المعنى ، أو في اللفظ . أما المعنى : فهنا شيئان : أحدهما : أنه تعالى قادر على خلق هذه الأصوات المقطعة بالتقطيعات المخصوصة في جسم جمادى أو حيواني « 4 » وهذا أمر لا يمكن النزاع فيه . لأن خلق هذه الأصوات والحروف في الجسم الجمادى أو الحيواني ممكن ، والله تعالى قادر على كل الممكنات .
--> ( 4 ) نباتى : ب